البراء
06-21-2003, 01:09 AM
الحمد لله الرّب العظيم، الجواد الوهاب المعطي الكريم، الغفور الرحيم، العزيز العليم، الواحدالأحد، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفواً أحد، الذي إذا ارداد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، فسبحان من أمره بين الكاف والنون.
والصلاة والسلام على صَفِيِّهِ، وعبده ونبيه ، محمد بين عبد الله المطلبي الهاشمي القرشي العدناني ، أزكىَ الناس نسباً، وأطهرهم عِرقاً وحّسباً ، الأمِيِّ الذي تَفَوَّقَ على كل ذكيٍّ، ودانت له العلماء والفلاسفة والمناطقة وكل من كتبا ، فهل رأى الناس أو سمعوا مثل هذا عجبا!!
أما بعد:
فهذا كتاب لَخًّصتُ فيه كُتُبا ،وأودعت فيه من الجواهِر يواقيتا ودرراً وذهبا ، فقطفت من حدائق العلم أجمل الأزهار ، التي تسحر العقول والأبصار ، فإذا طالعها النَّاظِر تَحَيَّر ،ماذا يَدَعُ أو يَتَخيََر.
لا يخفى عليك أخي الكريم
أن العمر ساعات ، بل لحظات ..وما فات فات ، فهيهات يرجع هيهات ، فما تدري غداً أانت من الأحياء أم من الأموات ، فاعمل ما شئت فلا بد أن يُقال عنك يوماً : فلان مات .....
فسابق الأجل ، وحي على خير العمل . ففي هذا الكتاب ما يعين ويوقظ همتك الضعيفة ، ويجعلك تُسابق إلي الأعمال الشريفة...
فاقرأهُ بِتَمَعُّن ، واجعله زادك الذي تتغذى به وتَسمُن....وهكذا كلما ضعفت وفترت عندك الهمَّة ، فانظر فيه ..ففيه الخيرات الجمّة ، من الآيات والأحاديث وأقوال وأفعال كبار الأئَمِة.... والأشعار النادرة ، والأمثال السائرة.
ما هي الهمة؟
الهمة: هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول.
وعلو الهمة : هواستصغار مادون النهاية من معالي الأمور وقيل: خروج النفس إلي غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل.
والهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يُفعل،من خير وشر.
قال ابن قيم الجوزية عليه رحمات رب البرية في " مدارج السالكين 3/3":
الهمة فِعلَة من الهم، وهو مبدأ الإرادة ، ولكن خصُّوها بنهاية الإرداة ، فالهم مبدؤها ، والهمة نهايتها .
وقال" 3/171":
علو الهمة أن لا تقف دون الله " أي النفس" ولا تتعوض بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلا من ، ولا تبيع حظها من الله ، والأنس به ، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية ، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بساقطهم ، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم ، فإن الهمة كلما علت بعدت من وصول الآفات إليها ، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان ، فإن الآفات قواطع وجواذب،وهي لا تعلو إلي المكان العالي فتجتذب منه ، وإنما تجتذب من المكان السافل ، فعلو همة المرء عنوان فلاحه ، وسفول همته عنوان حرمانه . إ هـ .
الهمة مولودة مع الآدمي
قال ابن الجوزي رحمه الله في " لفتة الكبد إلي نصيحة الولد":
وما تقف همة إلا لخساستها ، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون ، وقد عرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثت سارت ، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فسلِ المُنعمَ ، أو كسلاً فَسَلِ المُوَفِقَ ، فلن تنال خيرا إلا بطاعته ، فمن الذي أقبل عليه ولم يرى كل مراد؟ .. إ هـ .
الهمة محلها القلب
الهمة عمل قلبي والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه ، وكما أن الطائر يطير بجناحيه ، كذلك يطسر المرء بهمته ، فتحلق به إلي أعلى الآفاق ، طليقة من القيود التي تكبل الأجساد.
قال ابن قتيبة في " عيون الأخبار 3/231" :
ذو الهمة إن حُطَّ فنفسه تأبىَ لإلا عُلوّا ، كالشعلة من النار يُصَوِّبُها صاجبها وتأبى إلا ارتفاعا. إ هـ.
همة المؤمن أبلغ من عمله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه
وقال عليه أفل الصلاة والسلام :"من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة" رواه البخاري
وقال عليه الصلاة والسلام:"من سأل الله الشهادة بصدق، بَلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم فيمن حرص على الخروج معه في تبوك ولم يُقدر له :" إن بالمدينة لرجلا ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، حبسهم العذر" متفق عليه
ولذلك سبقوا الركب بعلو همتهم وإن لم يفعلوا ولكنهم صدقوا الله ما عاهدوا عليه ، فَنَّوَلهم ما أرادوا.
ولذلك يقول ابن قيم الجوزية:
اعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلي الله بقلبه وهمته لا ببدنه ، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح.
وقال:فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة ، وعلو الهمة،وتجريد القصد ، وصحة النية ، مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير، والسفر الشاق.
وقال: والتقدم والسبق إلي الله سبحانه إنما هو بالهمم ، وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونة صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضوع يحتاج إلي تفصيل يوافق فيه الإسلامُ والإحسانَ، فأكمل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وكان موفيا كل واحد منهما حقه ، فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ، ويصوم حتى يُقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله ، ويخالط أصحابه ، ولا يحتجب عنهم ، ولا يترك شيئا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز من حملها قوى البشر. إهـ
همم أهل الدنيا
من الناس من يكون مطلبه التمتع بمتاع الحياة الدنيا
قيل لطرفة بن العبد : ما أطيب عيش الدنيا؟ فقال: مَطعَمٌ شَهِيٌّ، وَمَلبَسٌ دَفِيٌّ ، وَمَركَبٌ وَطِيٌّ.
والسبب الذي يجعل الكثير من الناس يطلبون الدنيا ويتنافسون عليها غلبة الجهل عليهم ، وفساد العلم وإن كان عندهم ،فيكون عالي الهمة فيهم مبلغه وغاية مراده الحصول على الدنيا بالملك أو الولاية أو المال لبلوغ المطعم الشهي والملبس الدفي والمركب الوطي أو للسمعة وحب الثناء وهذا مبلغهم لجهلهم ، ولا يلام به أهلل الجاهلية قبل الإسلام وإنما كل اللوم على من عرف الإسلام ودان به فكان ذلك أقصى غايته
وهؤلاء جميعا حالهم كحال امرئ القيس ، عندما أفاق من سكره وعبثه على زوال ملك أبيه ، فانقلب جادًّا طالبا إعادة هذا الملك:
فلو أن ما أسعى لأَِدنى مَعيشةٍ" "كَفاني ولم أطلب قليلا من المال
وَلَكِنَّما أسعى لمجد مُؤّثَّلٍ" "وَقد يُدركُ المَجدَ المؤثل أمثالي
1
2 فلو أن ما أسعى لأَِدنى مَعيشةٍ" "كَفاني ولم أطلب قليلا من المال
وَلَكِنَّما أسعى لمجد مُؤّثَّلٍ" "وَقد يُدركُ المَجدَ المؤثل أمثالي
فطال طلبه للملك ، حتى قضى نحبه ولم يبلغه فيعتذر لنفسه قائلا:
بَكَى صاحبي لَمَّا رَأى الدَّربَ دُونهُ"="وأيقـنَ أنَّـا لاحقان بقَيصَرا
فَقُلـتُ لا تَبـكِ عينُكَ إنمَّــا"="نحـاولُ مُلكاً أو نموتَ فَنُعذرا
1
2 بَكَى صاحبي لَمَّا رَأى الدَّربَ دُونهُ" "وأيقنَ أنَّا لاحقان iiبقَيصَرا
فَقُلتُ لا تَبكِ عينُكَ iiإنمَّا" "نحاولُ مُلكاً أو نموتَ iiفَنُعذرا
فضاعت حياته أولا في الشهوات ، وثانيا في طلب الملك، وانتهت حياته ولم يحصل مطلبه .
وقيل ليزيد بن المهلب:ألا تبني دارا؟ فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس.
وقال غَيرُه:
وعش مَلِكاً أو مُت كريماً، وإن تَمُت"="وَسَيفُكَ مَشهُورٌ بِكَفَّكَ تُعذَرُ
1 وعش مَلِكاً أو مُت كريماً، وإن تَمُت" "وَسَيفُكَ مَشهُورٌ بِكَفَّكَ iiتُعذَرُ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقال له: ألم أجعل لك سمعاً ، وبصراً ،ومالاً ،وولَداً؟ وسخرتُ لك الأنعامَ والحَرثَ، وتَركتُكَ ترأسُ ، وتربَعُ؟ فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول:لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني" رواه أحمد ومسلم
وقال عليه الصلاة والسلام:" إن الله يبغض كل جَعظَرِيًّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ في الأسواق، جيفة بالليل ، حمار بالنهار ، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة"
رواه البيهقي وابن حبان وصححه الأالباني
والجعظري: هو الفظ الغليظ المتكبر
والجوّاظ : هو البخيل الجموع المنوع
والسخّاب: هو كثير الضجيج والخصام
وقوله عليه الصلاة والسلام"جيفة بالليل حمار بالنهار " أي أنه يعمل كالحمار طوال النهار لِدُنياه، وينام طوال الليل كالجِيفة التي لا تتحرك.
وقبل ذلك كله قوله تعالى" فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يُرِد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم"
فهم يجتهدون في العلم بأمور الدنيا ، مع جهلهم بأشرف العلوم علوم الآخرة ، التي هي الشرف اللازم الذي لا يزول ، فجدير بمن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير أن يبغضه الله ويمقته.
تنبيه نكمل فيما بعد إن شاء ربي
منقوووووووووووووووول
والصلاة والسلام على صَفِيِّهِ، وعبده ونبيه ، محمد بين عبد الله المطلبي الهاشمي القرشي العدناني ، أزكىَ الناس نسباً، وأطهرهم عِرقاً وحّسباً ، الأمِيِّ الذي تَفَوَّقَ على كل ذكيٍّ، ودانت له العلماء والفلاسفة والمناطقة وكل من كتبا ، فهل رأى الناس أو سمعوا مثل هذا عجبا!!
أما بعد:
فهذا كتاب لَخًّصتُ فيه كُتُبا ،وأودعت فيه من الجواهِر يواقيتا ودرراً وذهبا ، فقطفت من حدائق العلم أجمل الأزهار ، التي تسحر العقول والأبصار ، فإذا طالعها النَّاظِر تَحَيَّر ،ماذا يَدَعُ أو يَتَخيََر.
لا يخفى عليك أخي الكريم
أن العمر ساعات ، بل لحظات ..وما فات فات ، فهيهات يرجع هيهات ، فما تدري غداً أانت من الأحياء أم من الأموات ، فاعمل ما شئت فلا بد أن يُقال عنك يوماً : فلان مات .....
فسابق الأجل ، وحي على خير العمل . ففي هذا الكتاب ما يعين ويوقظ همتك الضعيفة ، ويجعلك تُسابق إلي الأعمال الشريفة...
فاقرأهُ بِتَمَعُّن ، واجعله زادك الذي تتغذى به وتَسمُن....وهكذا كلما ضعفت وفترت عندك الهمَّة ، فانظر فيه ..ففيه الخيرات الجمّة ، من الآيات والأحاديث وأقوال وأفعال كبار الأئَمِة.... والأشعار النادرة ، والأمثال السائرة.
ما هي الهمة؟
الهمة: هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول.
وعلو الهمة : هواستصغار مادون النهاية من معالي الأمور وقيل: خروج النفس إلي غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل.
والهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يُفعل،من خير وشر.
قال ابن قيم الجوزية عليه رحمات رب البرية في " مدارج السالكين 3/3":
الهمة فِعلَة من الهم، وهو مبدأ الإرادة ، ولكن خصُّوها بنهاية الإرداة ، فالهم مبدؤها ، والهمة نهايتها .
وقال" 3/171":
علو الهمة أن لا تقف دون الله " أي النفس" ولا تتعوض بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلا من ، ولا تبيع حظها من الله ، والأنس به ، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية ، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بساقطهم ، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم ، فإن الهمة كلما علت بعدت من وصول الآفات إليها ، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان ، فإن الآفات قواطع وجواذب،وهي لا تعلو إلي المكان العالي فتجتذب منه ، وإنما تجتذب من المكان السافل ، فعلو همة المرء عنوان فلاحه ، وسفول همته عنوان حرمانه . إ هـ .
الهمة مولودة مع الآدمي
قال ابن الجوزي رحمه الله في " لفتة الكبد إلي نصيحة الولد":
وما تقف همة إلا لخساستها ، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون ، وقد عرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثت سارت ، ومتى رأيت في نفسك عجزاً فسلِ المُنعمَ ، أو كسلاً فَسَلِ المُوَفِقَ ، فلن تنال خيرا إلا بطاعته ، فمن الذي أقبل عليه ولم يرى كل مراد؟ .. إ هـ .
الهمة محلها القلب
الهمة عمل قلبي والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه ، وكما أن الطائر يطير بجناحيه ، كذلك يطسر المرء بهمته ، فتحلق به إلي أعلى الآفاق ، طليقة من القيود التي تكبل الأجساد.
قال ابن قتيبة في " عيون الأخبار 3/231" :
ذو الهمة إن حُطَّ فنفسه تأبىَ لإلا عُلوّا ، كالشعلة من النار يُصَوِّبُها صاجبها وتأبى إلا ارتفاعا. إ هـ.
همة المؤمن أبلغ من عمله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه
وقال عليه أفل الصلاة والسلام :"من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة" رواه البخاري
وقال عليه الصلاة والسلام:"من سأل الله الشهادة بصدق، بَلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم فيمن حرص على الخروج معه في تبوك ولم يُقدر له :" إن بالمدينة لرجلا ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، حبسهم العذر" متفق عليه
ولذلك سبقوا الركب بعلو همتهم وإن لم يفعلوا ولكنهم صدقوا الله ما عاهدوا عليه ، فَنَّوَلهم ما أرادوا.
ولذلك يقول ابن قيم الجوزية:
اعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلي الله بقلبه وهمته لا ببدنه ، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح.
وقال:فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة ، وعلو الهمة،وتجريد القصد ، وصحة النية ، مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير، والسفر الشاق.
وقال: والتقدم والسبق إلي الله سبحانه إنما هو بالهمم ، وصدق الرغبة والعزيمة ، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونة صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضوع يحتاج إلي تفصيل يوافق فيه الإسلامُ والإحسانَ، فأكمل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وكان موفيا كل واحد منهما حقه ، فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه ، ويصوم حتى يُقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله ، ويخالط أصحابه ، ولا يحتجب عنهم ، ولا يترك شيئا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز من حملها قوى البشر. إهـ
همم أهل الدنيا
من الناس من يكون مطلبه التمتع بمتاع الحياة الدنيا
قيل لطرفة بن العبد : ما أطيب عيش الدنيا؟ فقال: مَطعَمٌ شَهِيٌّ، وَمَلبَسٌ دَفِيٌّ ، وَمَركَبٌ وَطِيٌّ.
والسبب الذي يجعل الكثير من الناس يطلبون الدنيا ويتنافسون عليها غلبة الجهل عليهم ، وفساد العلم وإن كان عندهم ،فيكون عالي الهمة فيهم مبلغه وغاية مراده الحصول على الدنيا بالملك أو الولاية أو المال لبلوغ المطعم الشهي والملبس الدفي والمركب الوطي أو للسمعة وحب الثناء وهذا مبلغهم لجهلهم ، ولا يلام به أهلل الجاهلية قبل الإسلام وإنما كل اللوم على من عرف الإسلام ودان به فكان ذلك أقصى غايته
وهؤلاء جميعا حالهم كحال امرئ القيس ، عندما أفاق من سكره وعبثه على زوال ملك أبيه ، فانقلب جادًّا طالبا إعادة هذا الملك:
فلو أن ما أسعى لأَِدنى مَعيشةٍ" "كَفاني ولم أطلب قليلا من المال
وَلَكِنَّما أسعى لمجد مُؤّثَّلٍ" "وَقد يُدركُ المَجدَ المؤثل أمثالي
1
2 فلو أن ما أسعى لأَِدنى مَعيشةٍ" "كَفاني ولم أطلب قليلا من المال
وَلَكِنَّما أسعى لمجد مُؤّثَّلٍ" "وَقد يُدركُ المَجدَ المؤثل أمثالي
فطال طلبه للملك ، حتى قضى نحبه ولم يبلغه فيعتذر لنفسه قائلا:
بَكَى صاحبي لَمَّا رَأى الدَّربَ دُونهُ"="وأيقـنَ أنَّـا لاحقان بقَيصَرا
فَقُلـتُ لا تَبـكِ عينُكَ إنمَّــا"="نحـاولُ مُلكاً أو نموتَ فَنُعذرا
1
2 بَكَى صاحبي لَمَّا رَأى الدَّربَ دُونهُ" "وأيقنَ أنَّا لاحقان iiبقَيصَرا
فَقُلتُ لا تَبكِ عينُكَ iiإنمَّا" "نحاولُ مُلكاً أو نموتَ iiفَنُعذرا
فضاعت حياته أولا في الشهوات ، وثانيا في طلب الملك، وانتهت حياته ولم يحصل مطلبه .
وقيل ليزيد بن المهلب:ألا تبني دارا؟ فقال: منزلي دار الإمارة أو الحبس.
وقال غَيرُه:
وعش مَلِكاً أو مُت كريماً، وإن تَمُت"="وَسَيفُكَ مَشهُورٌ بِكَفَّكَ تُعذَرُ
1 وعش مَلِكاً أو مُت كريماً، وإن تَمُت" "وَسَيفُكَ مَشهُورٌ بِكَفَّكَ iiتُعذَرُ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقال له: ألم أجعل لك سمعاً ، وبصراً ،ومالاً ،وولَداً؟ وسخرتُ لك الأنعامَ والحَرثَ، وتَركتُكَ ترأسُ ، وتربَعُ؟ فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول:لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني" رواه أحمد ومسلم
وقال عليه الصلاة والسلام:" إن الله يبغض كل جَعظَرِيًّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ في الأسواق، جيفة بالليل ، حمار بالنهار ، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة"
رواه البيهقي وابن حبان وصححه الأالباني
والجعظري: هو الفظ الغليظ المتكبر
والجوّاظ : هو البخيل الجموع المنوع
والسخّاب: هو كثير الضجيج والخصام
وقوله عليه الصلاة والسلام"جيفة بالليل حمار بالنهار " أي أنه يعمل كالحمار طوال النهار لِدُنياه، وينام طوال الليل كالجِيفة التي لا تتحرك.
وقبل ذلك كله قوله تعالى" فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يُرِد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم"
فهم يجتهدون في العلم بأمور الدنيا ، مع جهلهم بأشرف العلوم علوم الآخرة ، التي هي الشرف اللازم الذي لا يزول ، فجدير بمن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير أن يبغضه الله ويمقته.
تنبيه نكمل فيما بعد إن شاء ربي
منقوووووووووووووووول