حمود الشمري
03-21-2007, 06:45 AM
الاختلاف في واقعنا المعاصر:
جانب كبير من الاختلاف في الخطاب في واقعنا المعاصر يجري على غير الصواب، ليس بين عامة المسلمين أفراد وجماعات فحسب، بل بين العلماء والمصلحين أيضا، على حين أن الذي تقتضيه مسؤولية العاملين لله، العالمين بشرعه، أن يجري الخلاف بينهم إن جرى، على سنن المهتدين، ومنهج المجتهدين، منهج الاستدلال المضبوط بقواعده العلمية.
الاختلاف بين كثير من أهل العلم في أيامنا أخطأ سبيله القويم، الذي كان عليه أئمة المؤمنين، ولم يسلم في غالبه من المحاذير، محاذير الانتصار للنفس، والتعصب للرأي والشيخ والجماعة والطائفة، ومغالبة الخصم، وأنفة الرجوع إلى الحق، قسموا العلماء على نحو ما قسمت غلاة الطرق شيوخهم ورؤساءهم، تحزبوا تحزب الطوائف الجاهلة، وحلت أخوة الانتماء إلى الشيخ والجماعة محل أخوة الإيمان التي لا يعرف القرآن أخوة غيرها، دخل بينهم التصنيف الذي هو داعي الفرقة، هذا عالم رباني، وهذا غير رباني، وهذا مبتدع، وهذا إخواني، وهذا معطّل، وهذا مرجئ، كل ذلك باسم هجران صاحب البدعة، أو باسم الولاء والبراء، الذي أصابه من التشدّد وعدم سلامة التطبيق ما أصاب غيره، وانعكست آثار ذلك كله على الخطاب الديني سلبا، ورميه بالغلو والتطرف.
المأمول من أهل العلم عند الاختلاف، أن تتجه الهمة إلى إحقاق الحق، وجمع الكلمة، والتعاون على ما فيه مصلحة الأمة، وما ينفع الناس في أمور الدنيا والعاقبة، والتماس العذر للمخالف في الأمور الاجتهادية بعد بيان خطئه بالحسنى والنصح إن كان مخطئا، كما كان الحال عند سلفنا الصالح.
والإخلاص والعمل لله ابتداء ودواما من المتصدين للخطاب الديني ضروري لسلامة النتائج، وتحقيق الأهداف، فمن أراد الإخلاص سهل عليه ترك ما لنفسه من أجل إصلاح غيره، ولا يلقّاها إلا الصابرون، ومن انقطع دونه، حميّة وأنفة، حتى لا يقال غُلب وأُفحم، دون مبالاة بالنتائج والأهداف، ذهب عمله أدراج الرياح.
رابعا ـ التقيد بالشروط والآداب الشرعية للخطاب الديني:
من أهم شروط الخطاب الديني وآدابه الشرعية ـ التي بفقدها يتحرك الخصام، وبمراعاتها يحصل قبول الخطاب من الآخرين ـ ما يلي:
1ـ تأهل المتكلم للخطاب:
كم جر الإخلال بهذا الشرط في الخطاب زَلاَّت لأهل العلم وهفوات، حيث تسمع من وقت لآخر بخطاب تضِج به أركان الدنيا، ويصُك مسامع سكان الأرض في ساعات، وينكره أهل العلم ويغضب له أهل الدين، ولكن أنى لنا بمن ينتهي إذا نُهِي؟.
2ـ الاعتناء بالدليل:
يُعاني الخطاب على أيدي بعض المنتسبين إلى العلم الذين لا يُمحِّصون القول ولا يلتفتون إلى الدليل، وينابذونه منابذة كلية، وينكرون على من ينبههم إليه، أو يطالبهم به، ولا يرجعون فيما يقولون حتى إلى ما دُوِّن في المصادر الأولى المعتمدة من أمهات الكتب، التي تذكر صحيح العلم ولا تجرد الفقه من الأثر، بل يقنعون أحيانا بما تنفرد به بعض الحواشي المتأخرة في مسائل غريبة حذر منها المحققون من المتقدمين، زاهدين في الدليل، معرضين عنه، بل لا يبالون أن يطلقوا على العمل المخالف لما ألفوه وتقلدوه بأنه بدعة، ولو كان ثابتا عند المخالف بسنة صحيحة.
وقد انتقد ابن عبد البر الفقهاء الذين يلتزمون المسائل المجردة عن الدليل ويرون أنها منتهى غايتهم، ولا يستدلون عليها بالآثار، فقال عنهم إنهم: (طرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيها، وأضربوا عنها، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عَوَّلوا على حفظ ما دُوّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخرَ العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه، ويودون أن حظهم السلامةُ منه) .
وقد أوجد الإعراض عن الدليل بالكلية في الخطاب في الوقت الحاضر طبقة جامدة من المنتمين إلى العلم، تُعطِي تسليما وقبولا، بل تفضيلا لكل ما وُجد في بعض الحواشي المتأخرة، من أقوال غريبة، وتُفتي به مهما كانت مخالفته واضحة للكتاب والسنة، ولأصول المذاهب المعتمدة، وما دُوِّن في مصادره الأولى، ولا يشك عاقل في أن الغريب الذي تفردت به هذه الكتب دخيل على الفقه، تسرَّب إليه من الكتب التي تعتمد في الأحكام الشرعية الخواطر والكرامات، حتى إنك لو قلت لأحدهم هذا الحكم ذكره فلان في شرح كذا، أو حاشية كذا لوقف عنده، والتزم به، وجعله حجة، أما لو قلت له هذا مخالف لقول الله تعالى، أو قول رسول الله ، أو لقول إمام المذهب نفسه الذي يتقلده، كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي، فإنه يتحير، ويتعلق بما وجده غريبا في ذلك المصدر المتأخر مما لا أصل له عند الأئمة المتقدمين، ولا في دواوينهم، ويتأول لما وجده في هذه الكتب المتأخرة مخالفا لصحيح العلم، بتأويلات متكلَّفة، لا يقبلها عقل ولا نقل، فأعطى بذلك لكل من دب وهب ومن لم يتأهل من الفريق المقابل في النزاع ذريعة للحط من فقه الأئمة والانتساب إليهم والاستخفاف بهم بحجة العمل بالكتاب والسنة والتحاكم إلى الدليل، فالتفريط من الفريق الأول في الدليل واعتمادهم من المصادر في العلم ما لم يعتمد، قوبل من الفريق الثاني بالإفراط والتسفيه للتراث الفقهي الذي هو مفخرة للمسلمين.
وقد حذر القرافي وغيرُه من المحققين من الاعتماد في الفتوى على ما انفردت به الكتب المتأخرة، فقال: (تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتظافر عليها الخواطر ويُعلَم صحة ما فيها، وكذلك الكتب الحديثةُ التصنيف، ـ ويقصد حديثة بالنسبة إلى عصره ـ إذا لم يشتهر عزوُ ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، أو يُعلم أن مصنّفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة، وهو موثوق بعدالته) ، ويقول: (إن حواشيَ الكتب تحرم الفتوى بها، لعدم صحتها والوثوق بها)، ومراده إذا كانت الحواشي غريبة النقل، كما قيّد ذلك ابن فرحون في التبصرة بعد أن نقل كلام القرافي).
وقال أيضا في شرح المحصول: (ينبغي أن يُحذّر مما وقع في زماننا من تساهل بعض الفقهاء بالفتوى من الكتب الغريبة، التي ليس فيها رواية المفتي عن المجتهد بالسند الصحيح، ولا قام مقام ذلك شهرةٌ عظيمة تمنع من التصحيف والتحريف بسبب الشهرة، وبالغ بعضهم في التساهل حتى صار إذا وجد حاشية في كتاب أفتى بها، وهذا عدم دين وبعدٌ شديد عن القواعد)، وقال: (كان الأصل يقتضي ألا تجوز الفتوى إلا بما يرويه العدل عن العدل عن المجتهد الذي يقلده المفتي حتى يصح ذلك عند المفتي، كما تصح الأحاديث عند المجتهد، لأنه نقل لدين الله في الوصفين، وغير هذا كان ينبغي أن يحرم، غير أن الناس توسعوا في هذا العصر، فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية، وهو خطر عظيم في الدين، وخروج عن القواعد) .
وقال النووي: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام ـ إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام، فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة فليستظهر بنسخ منها متقنة، فإن لم يجد إلا في نسخة غير موثوق بها، قال ابن الصلاح، ينظر، فإن وجده موافقا لأصول المذهب ـ وهو أهل لتخريج مثله في المذهب ـ فله أن يفتي به، وإن لم يكن أهلا لتخريج مثله فلا يجوز له ذلك.
3 ـ الاعتناء بفقه الدليل ومراعاة مقاصد النصوص:
لا يكفي في خطاب الآخرين التجمل بالدليل ورفع شعاره، حتى تنضم إليه الرغبة في فقه الدليل، والتوجه إلى الاعتناء بمقاصد النصوص، وإعمالها مجتمعة، دون الوقوف عند حرفية بعضها بما يتضارب مع نصوصها الأخرى
يقول ابن عبد البر: (أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقّه فيه، ولا تدبّر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم) ، ويقول: (الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار، دون تفقه ولا تدبر، والمكثر لا يأمن موافقة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وقد كان لاتجاه الصحوة الإسلامية التي اعتنت بالدليل، ورفعت راية العمل بالكتاب والسنة جهد عظيم القدر، كان له أثره النافع في الاهتمام بتراثنا الإسلامي، وتنقيته من الدخيل والموضوع، وهو جهد مبارك مشكور مأجور بفضل الله تعالى كل من أسهم فيه، وسعى إليه مخلصا لمولاه، يُفرح قلب كل مؤمن، لأنه نصر لدين الله وكتابه وسنة نبيه $، ولكنه ترك سلبيات بارزة، سيئة الأثر في خطاب الآخرين، نشأت عند جماعات ممن انتسبوا إلى هذ المهيع القويم عن الخطأ في المنهج، بسبب انعدام المُربِّي، وتلقي العلم عن الشيوخ، والتأدب في الطلب بأدب العلماء، وبسبب الاكتفاء بالخلاصات والنشرات الصغيرة في مسائل العلم، عن المطولات وأمهات الكتب، وأدَّى هذا الخلل إلى التعصب وضيق العَطَن، وتسطيح المفاهيم الشرعية للنصوص، بالإعراض عن مقاصدها، وانقسام أتباع بعض هذه الجماعات فيما بينها انقساما عظيما، وغلوِ كل طائفة في التشبث بما عندها والتشدد فيه والتعصب إليه، ورفض خطاب الآخرين، رفضا مطلقا لا يقبل المراجعة ولا النظر، ولا يُعذر فيه مجتهد باجتهاد، بل التشنيع والتضليل والرفض لكل مخالف في الخطاب من القدامى والمحدثين، ولم يَسْلَم من مطاعنهم حتى الأئمة المشهورون الذين شهد لهم أهل الإسلام قاطبة بالعدالة والأمانة، وصحة العلم، والإصابة في العمل، وهم العمدة، ومن طريقهم وصلت إلينا السنن، ولا يقبل قول عند هذه الجماعات إلا ممن كان على مسلكهم في رفض المخالف في الخطاب، والطعن فيه، والإغراق في الظاهرية والحرفية، التي تتضارب معها نصوص الوحي، كل ذلك بحجة العمل بالكتاب والسنة، وهو دون شك خلل نشأ عن عدم التقيد بشروط وآداب الخطاب.
وتَصدّى لتوجيه الخطاب من هذه الجماعات طلبة علم، حملوا الناس أحيانا على أقوال شاذة مهجورة من أهل العلم، بحجة إحياء سنن متروكة، كما حدث في بعض البلاد في أحد الأعياد التي وافقت الجمعة، حين أفتوا بالاكتفاء بصلاة العيد عن الظهر والجمعة معا، فلم يصلوا ظهرا ولا جمعة، وأسقطوا فرضا مجمعا عليه من أركان الإسلام، بشبهة ليس عليها أثارة من علم، ولا يقبلها إلا سقيم الفهم، بزعم إحياء سنة، فضيعوا بذلك ركنا من أركان الدين.
وكما حدث مؤخرا أيضا عندما تَصَدَّى بعض هذه الجماعات إلى الإفتاء بإلزام إفطار الناس يوم عرفة بعد أن عقدوا صومه، لأنه وافق السبت، خلافا لجمهور أهل العلم، استنادا في فتواهم إلى حديث مختلف في صحته، وفي متنه نكارة، تُخالف عددا من الأحاديث الثابتة المتفق على صحتها.
والخطأ في هذه الفتوى ليس من جهة الأخذ بالقول المخالف للجمهور الذي لا يرى صوم السبت مطلقا، وإن وافق يوم عرفة ـ وإنما من جهة عد هذه الفتوى الصومَ في ذلك اليوم منكرا يجب تغييره، وإلزام من عقد صومه بالفطر، وهذا دون شك خطأ نشأ عن التعصب، لا من اتباع الدليل على قواعد أهل العلم.
وتعاني المساجد في كثير من بلاد المسلمين هذه الأيام لعدم المرجعية الموحدة في الخطاب من انقسام في صفوف المصلين بسبب أقوال متضاربة، منها الغريب عن صحيح العلم، من المنابذين للدليل، ومنها المغرقة في الحرفية من المناصرين للدليل عن غير فقه، وأكثره خلاف في مسائل خلافية أو مما يدخل في نطاق المندوب أو المكروه، وحدة المسلمين مقدمة على التعلق به لمن له فقه وبصيرة، إلى أن يتعلم الفريقان من السنن ما يرجع بهما إلى الصواب، والحل عندي في هذه وفي مثلها من المسائل العالقة إنما يكون بالتحاكم إلى الاجتهاد الجماعي على النحو الذي تقدم.
4ـ بيان المتكلم في العلم للمخاطب منهجه ومذهبه:
معظم الذين يبث لهم الخطاب الديني في الإعلام لا يبينون مناهجهم ولا مذاهبهم، ولا يعزون العلم ولا يُوَثِّقونه، ولا يبالون بهذا الأمر، وصار العزو إلى أهل العلم ومذاهبهم كأنه يَحُط من قدر العالم، بعد أن كان التوثيق والتأصيل والرجوع إلى مصادر العلم ومذاهب الأئمة، علامةَ التثبت، الذي يعلو به قدره، ويرتفع ذكره، صار عدم العزو إلى المذهب والتثبت في نسبة الأقوال إلى أصحابها شهادةً بعلو كعب المتكلم في الدين، وأنه في نظر أنصاف المتعلمين مجتهد، يأخذ من الكتاب والسنة رأسا، لا يحتاج إلى أقوال أهل العلم، ولا إلى ذكرها، أو العزو إليها، وهذا خلاف ما عليه العلماء وذوو التحقيق منهم، فمن لا يرجع إلى المصادر، ولا يُوَثِّق علمه، لا يُوثَق بعلمه عندهم.
5 ـ تجنب ذكر الضعيف وشاذ العلم من أجل الدنيا:
العمل بالراجح من أقوال أهل العلم واجب لا راجح، لأن الرجحان تتقوى معه غلبة الظن على أن ما دل عليه هو الحق، والعمل بما غلب على الظن أنه الحق واجب، لأن خلافه اتباع للهوى، قال تعالى: "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ.
يقول الشوكاني عن العمل بالراجح: (... أنه متفق عليه، ولم يختلف في ذلك إلا من لا يعتدّ به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح)، ويدل على وجوب العمل بالراجح حديث معاذ في ترتيب الأدلة، ففيه النص على تقديم القرآن على السنة، والسنة على الرأي، فلا تجوز الفتوى بضعيف الأقوال.
6 ـ تأثير المنصب والإعلام:
مما يدخل في إطار الإخلال بشروط الخطاب وآدابه أن يَنْجَرَّ العالم، تحت تأثير الإعلام، أو المنصب والوظيفة ـ إلى تنازلات يداهن فيها، إرضاء للمنصب، أو الإعلام، الذي يقوده في الغالب اللادينيون، وذلك بإصدار أقوال غريبة في قضايا العصر، مثل المرأة، والربا، وقضايا الأموال والبنوك، وغير ذلك من موضوعات العصر، وأحيانا تصدر هذه الآراء للجمهور عن طريق الإعلام المباشر، المرئي أو المسموع، باسم التيسير ورفع الحرج دون روية وتَأَنٍّ.
ولو عُرضت تلك الأقوال على أصحابها بعيدا عن تأثير الإعلام والرأي العام، أو تأثير السلطة والمنصب، لرأوا فيها رأيا آخر، حيث إن الناظر حين يُقلِّبها، يجد أنها لا تتجه ولا تقوم إلا على شيء واحد واضح، لا يُخفي نفسه، وهو أنها خطاب مجامَلَة لإرضاء غير الملتزمين بالإسلام، الذي هو في نظرهم متّهم بالجمود في طرحه لقضايا العصر.
7 ـ عدم التوسع في المسائل الكلامية:
من محاذير الخطاب الديني التوسع في المسائل الكلامية للعامة وإقحامهم في تفصيلات من مسائل العقيدة لا قِبل لهم بها، ولا هي واجبة عليهم لتصحيح إيمانهم، كالتفصيل في متشابه صفات الرب عز وجل، وكلامه، إذ لا فائدة لهم من الخوض فيها سوى إثارة الجدل ووقوع الشُّبَه، إذ لا شك في صحة الإيمان المجمل على ما جاء في حديث جبريل عليه السلام وهو الذي يطيقونه، وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله من أصحابه حين إسلامهم، كما دَلَّت عليه أحاديث إسلام الأعرابي، وإسلام أبي ذر، وخالد بن الوليد، وحديث بَهز بن حكيم، وغيرِهم من الصحابة.
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يفصِّل لمن يأتيه منهم راغبا في الإسلام مسائل الصفات، أو كلام الله تعالى، بل كان يكتفي منه بالتصديق والتسليم بما يجب الإيمان به إجمالا، والنطقِ بالشهادتين، وتعليمه أركان الإسلام الظاهرة، ليعمل بها.
روى بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: (قُلْتُ يَا نَبِيَّ الله مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ ـ لأَصَابِعِ يَدَيْهِ ـ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلا مَا عَلَّمَنِي الله عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَحْيِ الله، بِم بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا ؟، قَالَ: بِالإِسْلامِ، قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ ؟، قَالَ: أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَى الله، وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) .
يقول ابن عبد البر: (إنه مَنْ نَظَر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائرِ المهاجرين والأنصار، وجميعِِ الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا، علِمَ أن الله عز وجل لم يَعرِفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائلِ الرسالة، لا مِن قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا، وفي الجسم وفي نفيه، والتشبيه ونفيه لازما، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورا أو من أخلاقهم معروفا، لاستفاض عنهم، ولشُهِروا به، كما شُهروا بالقرآن والروايات) .
وفيما كتبه صلى الله عليه وسلم إلى هِرَقل وكِسرى وغيرهما من الملوك، ما يدل على ذلك ويؤكده، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعاء المشركين إلى الإسلام على دعوتهم أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به، فمن فعل ذلك قَبِل منه.
والامتناع عن تفصيلات مسائل العقيدة في الخطاب الديني للعامة هو سبيل سلف الأمة، وأئمة المذاهب الذين هم محل القدوة، سئل الإمام مالك عن أهل البدع، قال: (أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله تعالى وصفاته، وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يكفون عما سكت عليه الصحابة والتابعون) ، وقال للسائل عن الاستواء: (الإقرار به واجب والسؤال عنه بدعة)، وقال: أخرجوه، ونقل الحافظ ابن عبد البر الامتناع عن الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، قال: وإنما خالف في ذلك أهل البدع.
يقول ابن عبد البر: (الكلام في صفات الباري يستبشعه أهل السنة، وقد سكت عنه الأئمة، فما أشكل علينا من مثل هذا الباب بشبهة أمررناه كما جاء، وآمنا به كما نصنع بمتشابه القرآن، ولم نناظر عليه، لأن المناظرة إنما تسوغ وتجوز فيما تحته عمل، ويصحبه قياس، والقياس غير جائز في صفات الباري تعالى) ، وقال: كان مالك يقول: (أدركت أهل هذا البلد ويعني ـ المدينة ـ وهم يكرهون المناظرة والجدال إلا فيما تحته عمل، قال: يريد مالك ـ رحمه الله ـ الأحكام في الصلاة والزكاة والطهارة، ولا يجوز عنده الجدل فيما تعتقده الأفئدة، مما لا عمل تحته أكثر من الاعتقاد) .
ومن كلام لابن عقيل الحنبلي: (يكفي في صحة إيمان المسلم أن يقول القرآن كلام الله، ولا يخوض فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله $ والتابعون، فيسكت عما سكتوا عنه، فإن الصحابة ماتوا وما خاضوا في القرآن ولا في الصفات)، (ومن رأى أن طريقة المتكلمين أجود من طريق أبي بكر وعمر فبئس الاعتقاد) .
واستُفْتِيَ الغزالي رحمه الله تعالى في صفة كلام الله تبارك وتعالى، فكان من جوابه: وأما الخوض في أن كلامه تعالى حرف وصوت، أو ليس كذلك فهو بدعة، وكل من يدعو العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدين، وإنما هو من المُضِلِّين، ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يُحسنون السباحة إلى البحر، ويقول أيضا: (الصواب للخلق إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والإيمان المجمل بكل ما أنزله الله تعالى، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير بحث وتفتيش، والاشتغال بالتقوى، ففيه شغل شاغل) .
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني
جانب كبير من الاختلاف في الخطاب في واقعنا المعاصر يجري على غير الصواب، ليس بين عامة المسلمين أفراد وجماعات فحسب، بل بين العلماء والمصلحين أيضا، على حين أن الذي تقتضيه مسؤولية العاملين لله، العالمين بشرعه، أن يجري الخلاف بينهم إن جرى، على سنن المهتدين، ومنهج المجتهدين، منهج الاستدلال المضبوط بقواعده العلمية.
الاختلاف بين كثير من أهل العلم في أيامنا أخطأ سبيله القويم، الذي كان عليه أئمة المؤمنين، ولم يسلم في غالبه من المحاذير، محاذير الانتصار للنفس، والتعصب للرأي والشيخ والجماعة والطائفة، ومغالبة الخصم، وأنفة الرجوع إلى الحق، قسموا العلماء على نحو ما قسمت غلاة الطرق شيوخهم ورؤساءهم، تحزبوا تحزب الطوائف الجاهلة، وحلت أخوة الانتماء إلى الشيخ والجماعة محل أخوة الإيمان التي لا يعرف القرآن أخوة غيرها، دخل بينهم التصنيف الذي هو داعي الفرقة، هذا عالم رباني، وهذا غير رباني، وهذا مبتدع، وهذا إخواني، وهذا معطّل، وهذا مرجئ، كل ذلك باسم هجران صاحب البدعة، أو باسم الولاء والبراء، الذي أصابه من التشدّد وعدم سلامة التطبيق ما أصاب غيره، وانعكست آثار ذلك كله على الخطاب الديني سلبا، ورميه بالغلو والتطرف.
المأمول من أهل العلم عند الاختلاف، أن تتجه الهمة إلى إحقاق الحق، وجمع الكلمة، والتعاون على ما فيه مصلحة الأمة، وما ينفع الناس في أمور الدنيا والعاقبة، والتماس العذر للمخالف في الأمور الاجتهادية بعد بيان خطئه بالحسنى والنصح إن كان مخطئا، كما كان الحال عند سلفنا الصالح.
والإخلاص والعمل لله ابتداء ودواما من المتصدين للخطاب الديني ضروري لسلامة النتائج، وتحقيق الأهداف، فمن أراد الإخلاص سهل عليه ترك ما لنفسه من أجل إصلاح غيره، ولا يلقّاها إلا الصابرون، ومن انقطع دونه، حميّة وأنفة، حتى لا يقال غُلب وأُفحم، دون مبالاة بالنتائج والأهداف، ذهب عمله أدراج الرياح.
رابعا ـ التقيد بالشروط والآداب الشرعية للخطاب الديني:
من أهم شروط الخطاب الديني وآدابه الشرعية ـ التي بفقدها يتحرك الخصام، وبمراعاتها يحصل قبول الخطاب من الآخرين ـ ما يلي:
1ـ تأهل المتكلم للخطاب:
كم جر الإخلال بهذا الشرط في الخطاب زَلاَّت لأهل العلم وهفوات، حيث تسمع من وقت لآخر بخطاب تضِج به أركان الدنيا، ويصُك مسامع سكان الأرض في ساعات، وينكره أهل العلم ويغضب له أهل الدين، ولكن أنى لنا بمن ينتهي إذا نُهِي؟.
2ـ الاعتناء بالدليل:
يُعاني الخطاب على أيدي بعض المنتسبين إلى العلم الذين لا يُمحِّصون القول ولا يلتفتون إلى الدليل، وينابذونه منابذة كلية، وينكرون على من ينبههم إليه، أو يطالبهم به، ولا يرجعون فيما يقولون حتى إلى ما دُوِّن في المصادر الأولى المعتمدة من أمهات الكتب، التي تذكر صحيح العلم ولا تجرد الفقه من الأثر، بل يقنعون أحيانا بما تنفرد به بعض الحواشي المتأخرة في مسائل غريبة حذر منها المحققون من المتقدمين، زاهدين في الدليل، معرضين عنه، بل لا يبالون أن يطلقوا على العمل المخالف لما ألفوه وتقلدوه بأنه بدعة، ولو كان ثابتا عند المخالف بسنة صحيحة.
وقد انتقد ابن عبد البر الفقهاء الذين يلتزمون المسائل المجردة عن الدليل ويرون أنها منتهى غايتهم، ولا يستدلون عليها بالآثار، فقال عنهم إنهم: (طرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيها، وأضربوا عنها، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عَوَّلوا على حفظ ما دُوّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخرَ العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه، ويودون أن حظهم السلامةُ منه) .
وقد أوجد الإعراض عن الدليل بالكلية في الخطاب في الوقت الحاضر طبقة جامدة من المنتمين إلى العلم، تُعطِي تسليما وقبولا، بل تفضيلا لكل ما وُجد في بعض الحواشي المتأخرة، من أقوال غريبة، وتُفتي به مهما كانت مخالفته واضحة للكتاب والسنة، ولأصول المذاهب المعتمدة، وما دُوِّن في مصادره الأولى، ولا يشك عاقل في أن الغريب الذي تفردت به هذه الكتب دخيل على الفقه، تسرَّب إليه من الكتب التي تعتمد في الأحكام الشرعية الخواطر والكرامات، حتى إنك لو قلت لأحدهم هذا الحكم ذكره فلان في شرح كذا، أو حاشية كذا لوقف عنده، والتزم به، وجعله حجة، أما لو قلت له هذا مخالف لقول الله تعالى، أو قول رسول الله ، أو لقول إمام المذهب نفسه الذي يتقلده، كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي، فإنه يتحير، ويتعلق بما وجده غريبا في ذلك المصدر المتأخر مما لا أصل له عند الأئمة المتقدمين، ولا في دواوينهم، ويتأول لما وجده في هذه الكتب المتأخرة مخالفا لصحيح العلم، بتأويلات متكلَّفة، لا يقبلها عقل ولا نقل، فأعطى بذلك لكل من دب وهب ومن لم يتأهل من الفريق المقابل في النزاع ذريعة للحط من فقه الأئمة والانتساب إليهم والاستخفاف بهم بحجة العمل بالكتاب والسنة والتحاكم إلى الدليل، فالتفريط من الفريق الأول في الدليل واعتمادهم من المصادر في العلم ما لم يعتمد، قوبل من الفريق الثاني بالإفراط والتسفيه للتراث الفقهي الذي هو مفخرة للمسلمين.
وقد حذر القرافي وغيرُه من المحققين من الاعتماد في الفتوى على ما انفردت به الكتب المتأخرة، فقال: (تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتظافر عليها الخواطر ويُعلَم صحة ما فيها، وكذلك الكتب الحديثةُ التصنيف، ـ ويقصد حديثة بالنسبة إلى عصره ـ إذا لم يشتهر عزوُ ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، أو يُعلم أن مصنّفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة، وهو موثوق بعدالته) ، ويقول: (إن حواشيَ الكتب تحرم الفتوى بها، لعدم صحتها والوثوق بها)، ومراده إذا كانت الحواشي غريبة النقل، كما قيّد ذلك ابن فرحون في التبصرة بعد أن نقل كلام القرافي).
وقال أيضا في شرح المحصول: (ينبغي أن يُحذّر مما وقع في زماننا من تساهل بعض الفقهاء بالفتوى من الكتب الغريبة، التي ليس فيها رواية المفتي عن المجتهد بالسند الصحيح، ولا قام مقام ذلك شهرةٌ عظيمة تمنع من التصحيف والتحريف بسبب الشهرة، وبالغ بعضهم في التساهل حتى صار إذا وجد حاشية في كتاب أفتى بها، وهذا عدم دين وبعدٌ شديد عن القواعد)، وقال: (كان الأصل يقتضي ألا تجوز الفتوى إلا بما يرويه العدل عن العدل عن المجتهد الذي يقلده المفتي حتى يصح ذلك عند المفتي، كما تصح الأحاديث عند المجتهد، لأنه نقل لدين الله في الوصفين، وغير هذا كان ينبغي أن يحرم، غير أن الناس توسعوا في هذا العصر، فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية، وهو خطر عظيم في الدين، وخروج عن القواعد) .
وقال النووي: لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام ـ إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام، فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة فليستظهر بنسخ منها متقنة، فإن لم يجد إلا في نسخة غير موثوق بها، قال ابن الصلاح، ينظر، فإن وجده موافقا لأصول المذهب ـ وهو أهل لتخريج مثله في المذهب ـ فله أن يفتي به، وإن لم يكن أهلا لتخريج مثله فلا يجوز له ذلك.
3 ـ الاعتناء بفقه الدليل ومراعاة مقاصد النصوص:
لا يكفي في خطاب الآخرين التجمل بالدليل ورفع شعاره، حتى تنضم إليه الرغبة في فقه الدليل، والتوجه إلى الاعتناء بمقاصد النصوص، وإعمالها مجتمعة، دون الوقوف عند حرفية بعضها بما يتضارب مع نصوصها الأخرى
يقول ابن عبد البر: (أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقّه فيه، ولا تدبّر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم) ، ويقول: (الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار، دون تفقه ولا تدبر، والمكثر لا يأمن موافقة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وقد كان لاتجاه الصحوة الإسلامية التي اعتنت بالدليل، ورفعت راية العمل بالكتاب والسنة جهد عظيم القدر، كان له أثره النافع في الاهتمام بتراثنا الإسلامي، وتنقيته من الدخيل والموضوع، وهو جهد مبارك مشكور مأجور بفضل الله تعالى كل من أسهم فيه، وسعى إليه مخلصا لمولاه، يُفرح قلب كل مؤمن، لأنه نصر لدين الله وكتابه وسنة نبيه $، ولكنه ترك سلبيات بارزة، سيئة الأثر في خطاب الآخرين، نشأت عند جماعات ممن انتسبوا إلى هذ المهيع القويم عن الخطأ في المنهج، بسبب انعدام المُربِّي، وتلقي العلم عن الشيوخ، والتأدب في الطلب بأدب العلماء، وبسبب الاكتفاء بالخلاصات والنشرات الصغيرة في مسائل العلم، عن المطولات وأمهات الكتب، وأدَّى هذا الخلل إلى التعصب وضيق العَطَن، وتسطيح المفاهيم الشرعية للنصوص، بالإعراض عن مقاصدها، وانقسام أتباع بعض هذه الجماعات فيما بينها انقساما عظيما، وغلوِ كل طائفة في التشبث بما عندها والتشدد فيه والتعصب إليه، ورفض خطاب الآخرين، رفضا مطلقا لا يقبل المراجعة ولا النظر، ولا يُعذر فيه مجتهد باجتهاد، بل التشنيع والتضليل والرفض لكل مخالف في الخطاب من القدامى والمحدثين، ولم يَسْلَم من مطاعنهم حتى الأئمة المشهورون الذين شهد لهم أهل الإسلام قاطبة بالعدالة والأمانة، وصحة العلم، والإصابة في العمل، وهم العمدة، ومن طريقهم وصلت إلينا السنن، ولا يقبل قول عند هذه الجماعات إلا ممن كان على مسلكهم في رفض المخالف في الخطاب، والطعن فيه، والإغراق في الظاهرية والحرفية، التي تتضارب معها نصوص الوحي، كل ذلك بحجة العمل بالكتاب والسنة، وهو دون شك خلل نشأ عن عدم التقيد بشروط وآداب الخطاب.
وتَصدّى لتوجيه الخطاب من هذه الجماعات طلبة علم، حملوا الناس أحيانا على أقوال شاذة مهجورة من أهل العلم، بحجة إحياء سنن متروكة، كما حدث في بعض البلاد في أحد الأعياد التي وافقت الجمعة، حين أفتوا بالاكتفاء بصلاة العيد عن الظهر والجمعة معا، فلم يصلوا ظهرا ولا جمعة، وأسقطوا فرضا مجمعا عليه من أركان الإسلام، بشبهة ليس عليها أثارة من علم، ولا يقبلها إلا سقيم الفهم، بزعم إحياء سنة، فضيعوا بذلك ركنا من أركان الدين.
وكما حدث مؤخرا أيضا عندما تَصَدَّى بعض هذه الجماعات إلى الإفتاء بإلزام إفطار الناس يوم عرفة بعد أن عقدوا صومه، لأنه وافق السبت، خلافا لجمهور أهل العلم، استنادا في فتواهم إلى حديث مختلف في صحته، وفي متنه نكارة، تُخالف عددا من الأحاديث الثابتة المتفق على صحتها.
والخطأ في هذه الفتوى ليس من جهة الأخذ بالقول المخالف للجمهور الذي لا يرى صوم السبت مطلقا، وإن وافق يوم عرفة ـ وإنما من جهة عد هذه الفتوى الصومَ في ذلك اليوم منكرا يجب تغييره، وإلزام من عقد صومه بالفطر، وهذا دون شك خطأ نشأ عن التعصب، لا من اتباع الدليل على قواعد أهل العلم.
وتعاني المساجد في كثير من بلاد المسلمين هذه الأيام لعدم المرجعية الموحدة في الخطاب من انقسام في صفوف المصلين بسبب أقوال متضاربة، منها الغريب عن صحيح العلم، من المنابذين للدليل، ومنها المغرقة في الحرفية من المناصرين للدليل عن غير فقه، وأكثره خلاف في مسائل خلافية أو مما يدخل في نطاق المندوب أو المكروه، وحدة المسلمين مقدمة على التعلق به لمن له فقه وبصيرة، إلى أن يتعلم الفريقان من السنن ما يرجع بهما إلى الصواب، والحل عندي في هذه وفي مثلها من المسائل العالقة إنما يكون بالتحاكم إلى الاجتهاد الجماعي على النحو الذي تقدم.
4ـ بيان المتكلم في العلم للمخاطب منهجه ومذهبه:
معظم الذين يبث لهم الخطاب الديني في الإعلام لا يبينون مناهجهم ولا مذاهبهم، ولا يعزون العلم ولا يُوَثِّقونه، ولا يبالون بهذا الأمر، وصار العزو إلى أهل العلم ومذاهبهم كأنه يَحُط من قدر العالم، بعد أن كان التوثيق والتأصيل والرجوع إلى مصادر العلم ومذاهب الأئمة، علامةَ التثبت، الذي يعلو به قدره، ويرتفع ذكره، صار عدم العزو إلى المذهب والتثبت في نسبة الأقوال إلى أصحابها شهادةً بعلو كعب المتكلم في الدين، وأنه في نظر أنصاف المتعلمين مجتهد، يأخذ من الكتاب والسنة رأسا، لا يحتاج إلى أقوال أهل العلم، ولا إلى ذكرها، أو العزو إليها، وهذا خلاف ما عليه العلماء وذوو التحقيق منهم، فمن لا يرجع إلى المصادر، ولا يُوَثِّق علمه، لا يُوثَق بعلمه عندهم.
5 ـ تجنب ذكر الضعيف وشاذ العلم من أجل الدنيا:
العمل بالراجح من أقوال أهل العلم واجب لا راجح، لأن الرجحان تتقوى معه غلبة الظن على أن ما دل عليه هو الحق، والعمل بما غلب على الظن أنه الحق واجب، لأن خلافه اتباع للهوى، قال تعالى: "فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ.
يقول الشوكاني عن العمل بالراجح: (... أنه متفق عليه، ولم يختلف في ذلك إلا من لا يعتدّ به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح)، ويدل على وجوب العمل بالراجح حديث معاذ في ترتيب الأدلة، ففيه النص على تقديم القرآن على السنة، والسنة على الرأي، فلا تجوز الفتوى بضعيف الأقوال.
6 ـ تأثير المنصب والإعلام:
مما يدخل في إطار الإخلال بشروط الخطاب وآدابه أن يَنْجَرَّ العالم، تحت تأثير الإعلام، أو المنصب والوظيفة ـ إلى تنازلات يداهن فيها، إرضاء للمنصب، أو الإعلام، الذي يقوده في الغالب اللادينيون، وذلك بإصدار أقوال غريبة في قضايا العصر، مثل المرأة، والربا، وقضايا الأموال والبنوك، وغير ذلك من موضوعات العصر، وأحيانا تصدر هذه الآراء للجمهور عن طريق الإعلام المباشر، المرئي أو المسموع، باسم التيسير ورفع الحرج دون روية وتَأَنٍّ.
ولو عُرضت تلك الأقوال على أصحابها بعيدا عن تأثير الإعلام والرأي العام، أو تأثير السلطة والمنصب، لرأوا فيها رأيا آخر، حيث إن الناظر حين يُقلِّبها، يجد أنها لا تتجه ولا تقوم إلا على شيء واحد واضح، لا يُخفي نفسه، وهو أنها خطاب مجامَلَة لإرضاء غير الملتزمين بالإسلام، الذي هو في نظرهم متّهم بالجمود في طرحه لقضايا العصر.
7 ـ عدم التوسع في المسائل الكلامية:
من محاذير الخطاب الديني التوسع في المسائل الكلامية للعامة وإقحامهم في تفصيلات من مسائل العقيدة لا قِبل لهم بها، ولا هي واجبة عليهم لتصحيح إيمانهم، كالتفصيل في متشابه صفات الرب عز وجل، وكلامه، إذ لا فائدة لهم من الخوض فيها سوى إثارة الجدل ووقوع الشُّبَه، إذ لا شك في صحة الإيمان المجمل على ما جاء في حديث جبريل عليه السلام وهو الذي يطيقونه، وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله من أصحابه حين إسلامهم، كما دَلَّت عليه أحاديث إسلام الأعرابي، وإسلام أبي ذر، وخالد بن الوليد، وحديث بَهز بن حكيم، وغيرِهم من الصحابة.
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يفصِّل لمن يأتيه منهم راغبا في الإسلام مسائل الصفات، أو كلام الله تعالى، بل كان يكتفي منه بالتصديق والتسليم بما يجب الإيمان به إجمالا، والنطقِ بالشهادتين، وتعليمه أركان الإسلام الظاهرة، ليعمل بها.
روى بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: (قُلْتُ يَا نَبِيَّ الله مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ ـ لأَصَابِعِ يَدَيْهِ ـ أَنْ لا آتِيَكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً لا أَعْقِلُ شَيْئًا إِلا مَا عَلَّمَنِي الله عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَحْيِ الله، بِم بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا ؟، قَالَ: بِالإِسْلامِ، قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلامِ ؟، قَالَ: أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَى الله، وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) .
يقول ابن عبد البر: (إنه مَنْ نَظَر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائرِ المهاجرين والأنصار، وجميعِِ الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجا، علِمَ أن الله عز وجل لم يَعرِفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائلِ الرسالة، لا مِن قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبا، وفي الجسم وفي نفيه، والتشبيه ونفيه لازما، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورا أو من أخلاقهم معروفا، لاستفاض عنهم، ولشُهِروا به، كما شُهروا بالقرآن والروايات) .
وفيما كتبه صلى الله عليه وسلم إلى هِرَقل وكِسرى وغيرهما من الملوك، ما يدل على ذلك ويؤكده، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يزد في دعاء المشركين إلى الإسلام على دعوتهم أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به، فمن فعل ذلك قَبِل منه.
والامتناع عن تفصيلات مسائل العقيدة في الخطاب الديني للعامة هو سبيل سلف الأمة، وأئمة المذاهب الذين هم محل القدوة، سئل الإمام مالك عن أهل البدع، قال: (أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله تعالى وصفاته، وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يكفون عما سكت عليه الصحابة والتابعون) ، وقال للسائل عن الاستواء: (الإقرار به واجب والسؤال عنه بدعة)، وقال: أخرجوه، ونقل الحافظ ابن عبد البر الامتناع عن الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، قال: وإنما خالف في ذلك أهل البدع.
يقول ابن عبد البر: (الكلام في صفات الباري يستبشعه أهل السنة، وقد سكت عنه الأئمة، فما أشكل علينا من مثل هذا الباب بشبهة أمررناه كما جاء، وآمنا به كما نصنع بمتشابه القرآن، ولم نناظر عليه، لأن المناظرة إنما تسوغ وتجوز فيما تحته عمل، ويصحبه قياس، والقياس غير جائز في صفات الباري تعالى) ، وقال: كان مالك يقول: (أدركت أهل هذا البلد ويعني ـ المدينة ـ وهم يكرهون المناظرة والجدال إلا فيما تحته عمل، قال: يريد مالك ـ رحمه الله ـ الأحكام في الصلاة والزكاة والطهارة، ولا يجوز عنده الجدل فيما تعتقده الأفئدة، مما لا عمل تحته أكثر من الاعتقاد) .
ومن كلام لابن عقيل الحنبلي: (يكفي في صحة إيمان المسلم أن يقول القرآن كلام الله، ولا يخوض فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله $ والتابعون، فيسكت عما سكتوا عنه، فإن الصحابة ماتوا وما خاضوا في القرآن ولا في الصفات)، (ومن رأى أن طريقة المتكلمين أجود من طريق أبي بكر وعمر فبئس الاعتقاد) .
واستُفْتِيَ الغزالي رحمه الله تعالى في صفة كلام الله تبارك وتعالى، فكان من جوابه: وأما الخوض في أن كلامه تعالى حرف وصوت، أو ليس كذلك فهو بدعة، وكل من يدعو العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدين، وإنما هو من المُضِلِّين، ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يُحسنون السباحة إلى البحر، ويقول أيضا: (الصواب للخلق إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والإيمان المجمل بكل ما أنزله الله تعالى، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير بحث وتفتيش، والاشتغال بالتقوى، ففيه شغل شاغل) .
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني